منهم المجرم عن سبق إصرار وترصد، ومنهم المجرم بالصدفة، منهم من يأملون في الخروج يوما من السجن، ومنهم من لا يبالون بالحرية، بل ويرفضونها إذا كانت ستأتي بعد بلوغهم سن الشيخوخة والعجز، ومنهم من يتمنون تنفيذ العقوبة حتى يتحرروا من قسوة الانتظار القاتلة، ومنهم من حاولوا الانتحار أكثر من مرة.
العشرات من المحكومين بالإعدام رفضوا الحديث إلينا، «ما بغيتش نتفكر الماضي، ما بغيتش نتفكر شنو درت، خليوني ننسى»، عبارة رددها الكثيرون ممن يعيشون حالة من العزلة داخل زنازينهم رافضين الغوص في ماض يغرقهم في الشعور بتأنيب الضمير. خلافا لهؤلاء قبل البعض الحديث إلينا، وإن كانوا هم أيضا وجدوا صعوبة في استرجاع ذكريات جرائم ارتكبوها في لحظات لم يتصور أي منهم خلالها أن يكون مصيرهم السجن في حي اسمه مرادف للموت.

القتل من أجل قوت الأبناء
مفارقة غريبة تلك التي كشفها حديثنا إلى أحد المحكومين بالإعدام.. إبراهيم الذي قضى عشرين سنة في السجن بتهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، لا يقوى على حبس دموعه أثناء مشاهدته أحد المسلسلات المكسيكية المدبلجة التي تبثها القناة المغربية الثانية.
ففي بداية الحديث يسترجع إبراهيم ذكريات من أوائل تسعينات القرن الماضي، يتذكر حياة الفقر التي كان يعيشها مع أسرته الصغيرة المتكونة من زوجته وابنتيه، وهنا يتذكر أنه لم يرهما منذ فترة طويلة، فيشير إلى أن قصته شبيهة بقصة ذلك المسلسل الذي يحرص على متابعته مساء كل يوم.
«كنت صباغا فصرت عاطلا عن العمل، كانت الظروف قاسية، إذ كنت مسؤولا عن نفقة زوجتي وابنتيّ، كانت تمر أيام لا نجد فيها حتى لقمة تسد جوعنا، كنا نتضور جوعا طوال الوقت، ولا نلبس سوى البالي من الثياب، كنا نعاني»، يتوقف فجأة ليمسح دموعه بطرف قميصه، قبل أن يواصل: «صحيح أنا مجرم ارتكبت جريمتين عن سبق إصرار وترصد، لكن الظروف هي التي دفعتني إلى أن أصبح مجرما رغما عني». عملا بالمثل القائل: «من سرق بيضة يسرق دجاجة»، بدأ إبراهيم السرقة، وكان الأمر يقتصر في البداية على سرقة الدجاج من المزارع المجاورة للقرية التي يقطن بها، فجأة لم تعد الدجاجات كافية ليقرر إبراهيم سرقة الأكباش، خصوصا أن عيد الأضحى كان قريبا. في مكان خال بجوار قريته، ترصد إبراهيم طفلا كان يقوم برعي الغنم، وفي لحظة قام بالهجوم عليه وخنقه بيديه قبل أن يسوق القطيع نحو شخص اتفق معه سلفا على أن يبيعه المسروق.
تحقيقات الشرطة في هذه الجريمة أدت إلى اعتقال شخص آخر كان من سوء حظه أنه أضاع سترته قبل أن تجدها الشرطة مرمية في مكان قريب من مسرح الجريمة. «أشفقت على الشخص الذي ألقي عليه القبض بتهمة ارتكاب الجريمة التي ارتكبتها أنا، وبالرغم من أنني فكرت في التوقف عن السرقة إلا أن الظروف كانت أقوى مني»، يحكي إبراهيم الذي بعد فترة قصيرة قام بارتكاب جريمة أخرى بالطريقة نفسها في حق طفل آخر لا يتجاوز سنه أحد عشر عاما. مرة أخرى، وبعدما قتل إبراهيم الراعي الصغير سرق القطيع وساقه نحو من اعتاد أن يبيعه الأكباش المسروقة.
لن تسلم الجرة هذه المرة، فبعدما توصلت الشرطة إلى القطيع المسروق ووصلت إلى الشخص الذي اعتاد التعامل مع إبراهيم، انكشف كل شيء. «كانت الشرطة ستنسب إلي جريمة واحدة، لكنني وحتى أريح ضميري اعترفت لهم إراديا بالجريمة الأولى التي اعتقل على إثرها شخص بريء».
بعد اعترافه بارتكاب جريمتين، حاولت الشرطة أن تنسب جريمة أخرى إلى إبراهيم، «قالوا لي إنني ارتكبت جريمة أخرى سنة 1992، لكنني نفيت ارتكابها، ففي ذلك الوقت كانت ابنتي الثانية قد ولدت للتو، كيف أقتل وأسرق وأنا في أوج سعادتي بولادة ابنتي؟!»، يقول إبراهيم الذي أضاف ساخرا أن الشرطة استغلت فرصة إلقاء القبض عليه، وحاولت «تلفيق» تهمة جريمة ثالثة له بعدما عجزت عن التوصل إلى مرتكبها. جريمتا قتل هما ما يتضمنه ملف إبراهيم الذي يقول إنه عاش أسوأ سنوات حياته في السجن. «هذه ليست حياة، أنا أعاني وأسرتي تعاني. زوجتي المسكينة اضطرت بعد الحكم علي بالإعدام إلى السفر رفقة ابنتيّ بعيدا عن المنطقة التي كنا نسكن فيها هربا من أعين الناس وكلامهم الجارح».
عشرون عاما قضاها إبراهيم في السجن، تحول خلالها من شاب في مقتبل العمر إلى عجوز كزا الشيب شعره ولحيته. أكثر ما يتحسر عليه إبراهيم هو فراق أسرته، يحاول كبح دموعه دون جدوى حين سؤاله عن علاقته بزوجته وابنتيه اليوم، «زوجتي تزورني باستمرار، المسكينة خرجت للعمل، اشتغلت خادمة في البيوت وفلاحة في الحقول، لم تترك شيئا لم تفعله، تعذبت ومازالت تتعذب، وكذلك ابنتاي الممزقتان بين معاناة الفقر ومعاناة العار الذي ألحقته بهما وبجميع أفراد العائلة».
يسترسل إبراهيم: «حياتي وموتي سيان، عمري ضاع في السجن، اليوم يمر كسنة إلى درجة أنني نسيت حياتي قبل السجن». لا يستحضر إبراهيم حين ينظر إلى الماضي سوى طفلتيه ونظراتهما البريئة الشبيهة بالسوط الذي يجلد ضميره يوميا وترددان أسئلة تدمي قلبه. في نهاية حديثه يسألنا إبراهيم: «هل هناك أمل في أن أغادر السجن يوما؟ هل سأتمكن من حضور زفاف ابنتيّ؟ هل من الممكن أن أمنح فرصة أخرى؟»، وغيرها الكثير من الأسئلة التي لا يملك أحد إجابات عنها.